يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
489
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
سألوا عن الجود والمعروف ما فعلا * فقلت إنهما ماتا مع الحكم ماتا مع الرجل الموفي بذمته * قبل السؤال إذا لم يوف بالذمم حكاية ظريفة : ذكر الدارقطني في موته حكاية ظريفة ، قال حميد بن معروف : حضرت وفاة الحكم فأصابه من الموت شدة ، فقال قائل في البيت : اللهم هوّن عليه الموت فقد كان وقد كان يثني عليه ، فأفاق الحكم فقال : من المتكلم ؟ فقال الرجل : أنا ، فقال الحكم : يقول لك ملك الموت أنا بكل سخي رفيق ، ثم كأنما كانت فتيلة فطفئت . فمن جوده أنه سأله أعرابي فأعطاه خمسمائة دينار ، فبكى الأعرابي ، فقال : ما يبكيك يا أعرابي ؟ لعلك استقللت ما أعطيتك ، قال : لا واللّه ولكني أبكي لما تأكل الأرض منك . وقيل لنصيب بن رباح : خرف شعرك يا أبا محجن ، قال : لا واللّه ولكن خرف الكرام ، لقد رأيتني وقد مدحت الحكم بن حنطب فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة . وروى القتيبي قال : أخبرنا رجل من أهل منبج قال : قدم علينا الحكم بن حنطب وهو مملق فأغنانا ، قلت له : وكيف أغناكم وهو مملق ؟ قال : علمنا المكارم فعاد غنينا على فقيرنا . وكان الليث بن سعد يستغل كل سنة خمسين ألف دينار ، وكان قد أمر لمالك بخمسمائة دينار ، فبلغ ذلك الرشيد ، فشح عليه وعاتبه ، فقال : استحييت أن أنقصه عن غلة يوم ، وما وجبت عليه زكاة قط . هكذا قرأته على الحافظ بالإسكندرية رحمه اللّه . ورأيت في موضع آخر أنه كان يستغل كل يوم ألف دينار ، ووصل مالك بن أنس بألف دينار . وكان أبو شريح الخزاعي من عقلاء أهل المدينة ، وقال : إذا رأيتموني أبلغ من أنكحته وأنكحت إليه إلى السلطان فاعلموا أني مجنون فاكووني ، وإن رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في حائطي فاعلموا أني مجنون فاكووني ، ومن وجد لأبي شريح سمنا أو لبنا أو جذابة فهو له حل فليأكله وليشربه . ويروى أن عبد اللّه باع غلة بثمانين ألفا ، فقيل له : لو اتخذت بهذا المال ذخيرة لولدك ، قال : إنّما أجعل هذا المال عند اللّه ، وأجعل اللّه ذخرا لولدي . ثم أمر فقسم المال كله في أهل الحاجة . ونوع من هذا ما صنع عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : يروى أن سلمة بن عبد الملك دخل على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي توفي فيه ، فقال له : يا أمير المؤمنين إنك فطمت أفواه ولدك من هذا المال فتركتهم عالة ، ولا بدّ لهم من شيء